نور الإسلام
05-10-2005, 11:33 AM
سئل الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ عن:
1ـ عبارة: "باسم الوطن، باسم الشعب، باسم العروبة":
فأجاب:
((هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبِّر عن العرب، أو يعبر عن أهل البلد؛ فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة؛ فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به)).
2ـ قول من يقول: (التقوى في القلوب) عندما يعاتب على ترك الواجبات:
فأجاب:
((لا شك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "التقوى هاهنا"؛ يعني ـ ويشير إلى قلبه ـ يعني: أنه إذا اتقى القلبُ اتقت الجوارح.
وهذا ليس بدليل أو ليس بحجة على من يفعل المعاصي ويقول: إن التقوى ها هنا؛ لأننا نقول له: لو اتقى ما ها هنا؛ لاتقت الجوارح، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب")).
3ـ تسمية بعض الزهور بـ "عبّاد الشمس":
فأجاب:
((هنا لا يجوز؛ لأن الأشجارَ لا تعبدُ الشمس، إنما تعبد اللهَ عز وجل، كما قال تعالى: {ألَمْ تَرَ أن اللهَ يسجدُ له مَنْ في السمواتِ ومَنْ في الأرض والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ وكثيرٌ مِنَ الناسِ} [سورة الحج: الآية: 18]. وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمُقراقِبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات)).
4 ـ {يا أيتها النفس المطمئنة} إذا مات شخص:
فأجاب:
((هذا لا يجوز أن يطلق على شخص بعينه؛ لأن هذه شهادة بأنه مِنْ هذا الصنف)).
5 ـ قول الإنسان : أنا حُرّ:
فأجاب:
((إذا قال ذلك رجل حُر وأراد أنه حُرٌّ من رٍقِّ الخلْق، فنعم؛ هو حر من رِقِّ الخَلْق.
وأما إن أراد أنه حر من رق العبودية لله عز وجل؛ فقد أساء في فَهْمِ العبودية، ولم يعرف معنى الحرية؛ لأن العبودية لغير الله هي الرِق، أما عبودية المرءِ لربه عز وجل فهي الحرية... فإنه إنْ لم يذلَّ لله؛ ذلَّ لغيره.. فيكون هنا خادعًا نفسَه إذا قال إنه حر؛ يعني إنه متجرد من طاعة الله، ولن يقوم بها)).
6ـ قول العاصي عند الإنكار عليه: أنا حر في تصرفاتي:
فأجاب:
((هذا خطأ. نقول: لست حرا في معصية الله؛ بل إنك إذا عصيتَ ربَّك فقد خرجت من الرق الذي تدعيه في عبودية الله إلى رق الشيطان والهوى)).
7ـ عبارة "العصمة لله وحده" مع أن العصمة لا بُد فيها من عاصم:
فأجاب:
(( هذه العبارة قد يقولها مَن يقولها يريد بذلك أن كلامَ الله عز وجل وحُكْمَه كلَّه صواب، وليس فيه خطأ؛ وهي بهذا المعنى صحيحة، لكن لفظَها مستَنْكَر ومستكرَه؛ لأنه ـ كما قال السائل ـ قد يوحي بأن هناك عاصما عصَمَ اللهَ عز وجل.. والله سبحانه وتعالى هو الخالق، وما سواه مخلوق. فالأوْلى أن لا يعبِّر الإنسان بمثل هذا التعبير، بل يقول: الصواب في كلام الله وكلام رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ)).
8ـ وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق:
فأجاب:
((الحيوان الناطق يطلق على الإنسان كما ذكره أهل المنطق، وليس فيه عندهم عيب؛ لأنه تعريف بحقيقة الإنسان، لكنه في العرف قول يعتبر قدحا في الإنسان؛ ولهذا إلا خاطب الإنسان به عاميا؛ فإن العامي سيعتقد أن هذا قدحا فيه، وحينئذ: لا يجوز أن يخاطَب به العامي؛ لأن كل شيء يسيء إلى المسلم فهو حرام.
أما إذا خوطب به من يفهم الأمرَ ـ على حسب اصطلاح المناطقة ـ؛ فإن هذا لا حرج فيه؛ لأن الإنسان لا شك أنه حيوان باعتبار أن فيه حياة، وأن الفصل الذي يميزه عن غيره من بقية الحيوانات هو النُّطق. ولهذا قالوا: إن كلمة "حيوان" جنس، وكلمة "ناطق" فصل، والجنس يعم المعرف وغيره، والفصل يميز المعرف عن غيره)).
9ـ قول (حرية الفكر) والتي هي دعوة إلى حرية الاعتقاد:
فأجاب:
((تعليقنا على ذلك: أن الذي يجيز أن يكون الإنسانُ حُرَّ الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان؛ فإنه كافر؛ لأن كل من اعتقد أن أحدا يسُوغ له أن يتدين بغير دين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإنه كافر بالله عز وجل يستتاب، فإن تاب؛ وإلا وجب قتلُه.
والأديان ليست أفكارا، ولكنها وحيٌ من الله عز وجل ينزله على رسله، ليَسير عبادُه عليه.
وهذه الكلمة ـ أعني: كلمة (فكر) التي يقصد بها الدين ـ يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية؛ لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام: فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر ـ وأعني بالنصرانية: التي يسميها أهلها بالمسيحية ـ فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس.
والواقع أن الأديان السماوية أديان سماوية من عند الله عز وجل، يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبد بها عباده، ولا يجوز أن يطلق عليها: فكر)).
10ـ قول: "فلان شهيد":
فأجاب:
الجواب على ذلك أن الشهادة لأحد بأنه شهيد تكون على وجهين:
أحدهما: أن تقيد مثل أن يقال: كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد.. ونحو ذلك؛ فهذا جائز ـ كما جاءت به النصوص ـ ؛ لأنك تشهد بما أخبر به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ونعني بقولنا: جائز؛ أنه غير ممنوع ـ وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقا لخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
الثاني: أن تقيد الشهادة بشخص معين مثل أن تقول لشخص بعينه إنه شهيد؛ فهذا لا يجوز إلا من شهد له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك.
وقد ترجم البخاري ـ رحمه الله ـ لهذا بقوله: (باب لا يقال فلان شهيد): قال في "الفتح"(6/90): "أي على سبيل القطع بذلك، إلا إن كان بالوحي". وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شيهدا؟ ولعله قد يكون أوقر راحلته، ألا .. لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من مات أو قتل في سبيل الله فهو شهيد". [ وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر]"اهـ كلامه.
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشيرا إلى ذلك: "مثل المجاهد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ـ". وقال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلَم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك". [رواهما البخاري من حديث أبي هريرة].
ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به، ولا نسيء به الظن، والرجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء، فإذا كان مقتولا في الجهاد في سبيل الله دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
ولأننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة، فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوصف أو الشخص، وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ.
وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا بنص أو اتفاق، لكن من كان ظاهره الصلاح؛ فإننا نرجو له ذلك ـ كما سبق ـ ، وهذا كافٍ في منقبته، وعلمه عند خالقه سبحانه وتعالى)).
11ـ قول: "وشاءت قدرة الله"، و"شاء القدر"؟
فأجاب:
(( لا يصح أن نقول "شاءت قدرةُ الله" ؛ لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمُرِيد، والمشيئةُ لمَنْ يشاء، ولكننا نقول: اقتضتْ حكمةُ الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذه قدرةُ الله ؛ أي مقدوره، كما تقول: هذا خلق الله؛ أي مخلوقاته.
وأما أن نضيف أمرا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة؛ فإن هذا لا يجوز.
ومثل ذلك قولهم: شاء القدر كذا وكذا.. وهذا لا يجوز؛ لأن القَدَر والقُدْرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لِمَنْ هو قادر، ولِمَنْ هو مُقدِّر.
والله أعلم)).
12ـ قول: "شاءت الظروف أن يحصل كذا وكذا":
فأجاب:
((قول: "شاءت الأقدار"، و "شاءت الظروف"؛ ألفاظ منكرة؛ لأن الظروف جمع ظرف وهو الأزمان، والزمن لا مشيئة له، وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له، إنما الذي يشاء هو الله عز وجل.
نعم لو قال الإنسان: "اقتضى قدرُ الله كذا وكذا". فلا بأس.
أما المشيئة فلا يجوز أن تضاف للأقدار؛ لأن المشيئة هي الإرادة، ولا إرادة للوصف، إنما الإرادة للموصوف)).
13ـ قول: "هذا زمن أقشر..الزمن غدار..يا خيبة الزمن":
فأجاب:
((هذه العبارات التي ذُكِرت في السؤال تقع على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون سبًّا وقَدْحًا في الزمن فهذا حرام، ولا يجوز، لأن ما حصل في الزمن فهو من الله عز وجل، فمن سبه؛ فقد سب اللهَ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: " يؤذيني ابنُ آدم: يسبُّ الدهرَ، وأنا الدهر أقلب الليلَ والنهار".
والوجه الثاني: أن يقولها على سبيل الإخبار؛ فهذا لا بأس به، ومنه قوله تعالى عن لوط ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {وقال هذا يوم عصيب}[سورة هود: الآية 77]؛ أي شديد. وكل الناس يقولون: هذا يوم شديد، وهذا يوم فيه كذا وكذا من الأمور، وليس فيه شيء.
وأما قول: "هذا الزمن غدّار"؛ فهذا سب؛ لأن الغدر صفة ذم، ولا يجوز.
وقول: "يا خيبة اليوم الذي رأيتك فيه".. إذا قصد يا خيبتي أنا؛ فهذا لا بأس فيه، وليس سبا للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم؛ فهذا سب فلا يجوز)).
14ـ قول: توكلت على الله واستجرت برسول الله:
فأجاب:
((أما قول القائل: آمنت بالله وتوكلت على الله واعتصمت بالله، فهذا ليس فيه بأس، وهذه حال كل مؤمن أن يكون متوكلا على الله، مؤمنا به معتصما به.
وأما قوله: "واستجرت برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"؛ فإنها كلمة نكرة، والاستجارة بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته لا تجوز.
أما الاستجارة به في حياته في أمر يقدر عليه فهي جائزة..
قال تعالى: {وإن أحَدٌ من المشركين اسْتجاركَ فأجِرْهُ حتى يسمعَ كلامَ اللهِ}[سورة التوبة: الآية6].
فالاستجارة بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته شرك أكبر. وعلى مَن سمع أحدًا يقول هذا الكلامَ أن ينصحَه؛ لأنه قد يكون سمِعَه من بعض الناس وهو لا يدري ما معناها.
وأنت يا أخي إذا أخبرتَه وبيّنتَ له أن هذا شرك؛ فلعلّ اللهَ أن ينفعَه على يدك. والله الموفق)).
15ـ حكم التسمي ببعض الأسماء:
فأجاب:
(( أما الناصر والخالد وما أشبهها فلا بأس بها؛ لأن المراد بها آل ناصر، آل خالد. لكنّ فيها شيئا من الحذف للتسهيل.
وأما (حُجة الإسلام)؛ فلا يصح وصفُ أحدٍ به؛ لأن كل ما عدا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإن قوله ليس بحجة إلا من أمِرْنا باتباعهم ـ وهم الخلفاء الراشدون ؛ لأن قولَهم حُجة ما لم يخالف نصًّا، ويخالف قولَ صحابيٍّ آخر، فإن خالف النصَّ؛ فالنصُّ مقدَّم على قولِ كل أحد.
وإن خالف قول صحابي آخر؛ طلب الترجيح بين القولين.
المهم أن حجة الإسلام لا تقال إلا لِمَنْ قولُه حُجَّة فقط، وأما من ليس قوله حجة؛ فإنه لا يقال له حجة، وكيف يكون حجة في الإسلام وهو ليس غير معصوم من الخطأ.
أما الرحمانية التي يسمى بها بعضُ الأحياء ؛ فلا بأس بها)).
16ـ إطلاق المسيحية على النصارى:
فأجاب:
لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتساب غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحا لآمنوا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإن إيمانهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إيمان بالمسيح عيسى بنِ مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لأن الله تعالى قال: { وإذْ قال عيسى ابنُ مريم يابني إسرائيلَ إني رسولُ اللهِ إليكم مصدقا لِما بين يديَّ من التوراة ومُبَشِّرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسْمه أحمد فلما جاءهم بالبيناتِ قالوا هذا سحرٌ مبين}[سورة الصف: الآية6].
ولم يبشرْهم المسيحُ عيسى بنُ مريم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا مِن أجل أن يَقبلوا ما جاء به؛ لأن البشارة بما لا ينفع لغوٌ من القول لا يمكن أن تاتي من أدنى الناس عقلًا ـ فضلا من أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولي العزم عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
وهذا الذي بشّر به عيسى بنُ مريم بني إسرائيل هو محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله: {فلما جاءهم بالبيناتِ قالوا هذا سحرٌ مبين}[سورة الصف: الآية6] وهذا يدل على أن الرسول الذي بشر به قد جاء، ولكنهم كفروا به وقالوا: هذا سِحرٌ مبين.
فإذا كفروا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن هذا كفرٌ بعيسى بنِ مريم الذي بشرهم بمحمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحينئذ لا يصح أن يَنْتَسِبوا إليه فيقولوا إنهم مسيحيون، إذ لو كانوا حقيقة؛ لآمنوا بما بشر به المسيحُ بن مريم؛ لأن عيسى وغيرَهُ من الرسل قد أخذ اللهُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن يؤمنوا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال تعالى: {وإذْ أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيين لَمَا آتيتُكُم من كتابٍ وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ لما معكم لَتُؤْمِنُنَّ به ولَتَنْصُرُنَّه قال أأقررْتُم وأخذْتم على ذلكم إِصْري قالوا أقْرَرْنا قال فاشْهدوا وأنا معكم من الشاهدين}[سورة آل عمران: الآية18].
والذي جاء مصدِّقا لما معهم هو محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتابِ بالحقِّ مصدقا لِما بين يديه من الكتابِ ومُهَيْمنا عليه فاحْكُم بينهم بما أنزل اللهُ ولا تتبع أهواءَهم}[سورة المائدة: الآية 48].
وخلاصة القول: أن نسبةَ النصارى إلى المسيح بنِ مريم نسبةٌ يكذبها الواقع؛ لأنهم كفروا ببشارة عيسى بنِ مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكفرهم به كفر بالمسيح)).
*************************************
[نقلا من:فتاوى علماء البلد الحرام:ص 1643 ـ 1666].
1ـ عبارة: "باسم الوطن، باسم الشعب، باسم العروبة":
فأجاب:
((هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبِّر عن العرب، أو يعبر عن أهل البلد؛ فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة؛ فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به)).
2ـ قول من يقول: (التقوى في القلوب) عندما يعاتب على ترك الواجبات:
فأجاب:
((لا شك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "التقوى هاهنا"؛ يعني ـ ويشير إلى قلبه ـ يعني: أنه إذا اتقى القلبُ اتقت الجوارح.
وهذا ليس بدليل أو ليس بحجة على من يفعل المعاصي ويقول: إن التقوى ها هنا؛ لأننا نقول له: لو اتقى ما ها هنا؛ لاتقت الجوارح، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب")).
3ـ تسمية بعض الزهور بـ "عبّاد الشمس":
فأجاب:
((هنا لا يجوز؛ لأن الأشجارَ لا تعبدُ الشمس، إنما تعبد اللهَ عز وجل، كما قال تعالى: {ألَمْ تَرَ أن اللهَ يسجدُ له مَنْ في السمواتِ ومَنْ في الأرض والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ وكثيرٌ مِنَ الناسِ} [سورة الحج: الآية: 18]. وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمُقراقِبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات)).
4 ـ {يا أيتها النفس المطمئنة} إذا مات شخص:
فأجاب:
((هذا لا يجوز أن يطلق على شخص بعينه؛ لأن هذه شهادة بأنه مِنْ هذا الصنف)).
5 ـ قول الإنسان : أنا حُرّ:
فأجاب:
((إذا قال ذلك رجل حُر وأراد أنه حُرٌّ من رٍقِّ الخلْق، فنعم؛ هو حر من رِقِّ الخَلْق.
وأما إن أراد أنه حر من رق العبودية لله عز وجل؛ فقد أساء في فَهْمِ العبودية، ولم يعرف معنى الحرية؛ لأن العبودية لغير الله هي الرِق، أما عبودية المرءِ لربه عز وجل فهي الحرية... فإنه إنْ لم يذلَّ لله؛ ذلَّ لغيره.. فيكون هنا خادعًا نفسَه إذا قال إنه حر؛ يعني إنه متجرد من طاعة الله، ولن يقوم بها)).
6ـ قول العاصي عند الإنكار عليه: أنا حر في تصرفاتي:
فأجاب:
((هذا خطأ. نقول: لست حرا في معصية الله؛ بل إنك إذا عصيتَ ربَّك فقد خرجت من الرق الذي تدعيه في عبودية الله إلى رق الشيطان والهوى)).
7ـ عبارة "العصمة لله وحده" مع أن العصمة لا بُد فيها من عاصم:
فأجاب:
(( هذه العبارة قد يقولها مَن يقولها يريد بذلك أن كلامَ الله عز وجل وحُكْمَه كلَّه صواب، وليس فيه خطأ؛ وهي بهذا المعنى صحيحة، لكن لفظَها مستَنْكَر ومستكرَه؛ لأنه ـ كما قال السائل ـ قد يوحي بأن هناك عاصما عصَمَ اللهَ عز وجل.. والله سبحانه وتعالى هو الخالق، وما سواه مخلوق. فالأوْلى أن لا يعبِّر الإنسان بمثل هذا التعبير، بل يقول: الصواب في كلام الله وكلام رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ)).
8ـ وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق:
فأجاب:
((الحيوان الناطق يطلق على الإنسان كما ذكره أهل المنطق، وليس فيه عندهم عيب؛ لأنه تعريف بحقيقة الإنسان، لكنه في العرف قول يعتبر قدحا في الإنسان؛ ولهذا إلا خاطب الإنسان به عاميا؛ فإن العامي سيعتقد أن هذا قدحا فيه، وحينئذ: لا يجوز أن يخاطَب به العامي؛ لأن كل شيء يسيء إلى المسلم فهو حرام.
أما إذا خوطب به من يفهم الأمرَ ـ على حسب اصطلاح المناطقة ـ؛ فإن هذا لا حرج فيه؛ لأن الإنسان لا شك أنه حيوان باعتبار أن فيه حياة، وأن الفصل الذي يميزه عن غيره من بقية الحيوانات هو النُّطق. ولهذا قالوا: إن كلمة "حيوان" جنس، وكلمة "ناطق" فصل، والجنس يعم المعرف وغيره، والفصل يميز المعرف عن غيره)).
9ـ قول (حرية الفكر) والتي هي دعوة إلى حرية الاعتقاد:
فأجاب:
((تعليقنا على ذلك: أن الذي يجيز أن يكون الإنسانُ حُرَّ الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان؛ فإنه كافر؛ لأن كل من اعتقد أن أحدا يسُوغ له أن يتدين بغير دين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإنه كافر بالله عز وجل يستتاب، فإن تاب؛ وإلا وجب قتلُه.
والأديان ليست أفكارا، ولكنها وحيٌ من الله عز وجل ينزله على رسله، ليَسير عبادُه عليه.
وهذه الكلمة ـ أعني: كلمة (فكر) التي يقصد بها الدين ـ يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية؛ لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام: فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر ـ وأعني بالنصرانية: التي يسميها أهلها بالمسيحية ـ فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس.
والواقع أن الأديان السماوية أديان سماوية من عند الله عز وجل، يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبد بها عباده، ولا يجوز أن يطلق عليها: فكر)).
10ـ قول: "فلان شهيد":
فأجاب:
الجواب على ذلك أن الشهادة لأحد بأنه شهيد تكون على وجهين:
أحدهما: أن تقيد مثل أن يقال: كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد.. ونحو ذلك؛ فهذا جائز ـ كما جاءت به النصوص ـ ؛ لأنك تشهد بما أخبر به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ونعني بقولنا: جائز؛ أنه غير ممنوع ـ وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقا لخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
الثاني: أن تقيد الشهادة بشخص معين مثل أن تقول لشخص بعينه إنه شهيد؛ فهذا لا يجوز إلا من شهد له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك.
وقد ترجم البخاري ـ رحمه الله ـ لهذا بقوله: (باب لا يقال فلان شهيد): قال في "الفتح"(6/90): "أي على سبيل القطع بذلك، إلا إن كان بالوحي". وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شيهدا؟ ولعله قد يكون أوقر راحلته، ألا .. لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من مات أو قتل في سبيل الله فهو شهيد". [ وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر]"اهـ كلامه.
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشيرا إلى ذلك: "مثل المجاهد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ـ". وقال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلَم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك". [رواهما البخاري من حديث أبي هريرة].
ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به، ولا نسيء به الظن، والرجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء، فإذا كان مقتولا في الجهاد في سبيل الله دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
ولأننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة، فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوصف أو الشخص، وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ.
وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا بنص أو اتفاق، لكن من كان ظاهره الصلاح؛ فإننا نرجو له ذلك ـ كما سبق ـ ، وهذا كافٍ في منقبته، وعلمه عند خالقه سبحانه وتعالى)).
11ـ قول: "وشاءت قدرة الله"، و"شاء القدر"؟
فأجاب:
(( لا يصح أن نقول "شاءت قدرةُ الله" ؛ لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمُرِيد، والمشيئةُ لمَنْ يشاء، ولكننا نقول: اقتضتْ حكمةُ الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذه قدرةُ الله ؛ أي مقدوره، كما تقول: هذا خلق الله؛ أي مخلوقاته.
وأما أن نضيف أمرا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة؛ فإن هذا لا يجوز.
ومثل ذلك قولهم: شاء القدر كذا وكذا.. وهذا لا يجوز؛ لأن القَدَر والقُدْرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لِمَنْ هو قادر، ولِمَنْ هو مُقدِّر.
والله أعلم)).
12ـ قول: "شاءت الظروف أن يحصل كذا وكذا":
فأجاب:
((قول: "شاءت الأقدار"، و "شاءت الظروف"؛ ألفاظ منكرة؛ لأن الظروف جمع ظرف وهو الأزمان، والزمن لا مشيئة له، وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له، إنما الذي يشاء هو الله عز وجل.
نعم لو قال الإنسان: "اقتضى قدرُ الله كذا وكذا". فلا بأس.
أما المشيئة فلا يجوز أن تضاف للأقدار؛ لأن المشيئة هي الإرادة، ولا إرادة للوصف، إنما الإرادة للموصوف)).
13ـ قول: "هذا زمن أقشر..الزمن غدار..يا خيبة الزمن":
فأجاب:
((هذه العبارات التي ذُكِرت في السؤال تقع على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون سبًّا وقَدْحًا في الزمن فهذا حرام، ولا يجوز، لأن ما حصل في الزمن فهو من الله عز وجل، فمن سبه؛ فقد سب اللهَ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: " يؤذيني ابنُ آدم: يسبُّ الدهرَ، وأنا الدهر أقلب الليلَ والنهار".
والوجه الثاني: أن يقولها على سبيل الإخبار؛ فهذا لا بأس به، ومنه قوله تعالى عن لوط ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {وقال هذا يوم عصيب}[سورة هود: الآية 77]؛ أي شديد. وكل الناس يقولون: هذا يوم شديد، وهذا يوم فيه كذا وكذا من الأمور، وليس فيه شيء.
وأما قول: "هذا الزمن غدّار"؛ فهذا سب؛ لأن الغدر صفة ذم، ولا يجوز.
وقول: "يا خيبة اليوم الذي رأيتك فيه".. إذا قصد يا خيبتي أنا؛ فهذا لا بأس فيه، وليس سبا للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم؛ فهذا سب فلا يجوز)).
14ـ قول: توكلت على الله واستجرت برسول الله:
فأجاب:
((أما قول القائل: آمنت بالله وتوكلت على الله واعتصمت بالله، فهذا ليس فيه بأس، وهذه حال كل مؤمن أن يكون متوكلا على الله، مؤمنا به معتصما به.
وأما قوله: "واستجرت برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"؛ فإنها كلمة نكرة، والاستجارة بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته لا تجوز.
أما الاستجارة به في حياته في أمر يقدر عليه فهي جائزة..
قال تعالى: {وإن أحَدٌ من المشركين اسْتجاركَ فأجِرْهُ حتى يسمعَ كلامَ اللهِ}[سورة التوبة: الآية6].
فالاستجارة بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته شرك أكبر. وعلى مَن سمع أحدًا يقول هذا الكلامَ أن ينصحَه؛ لأنه قد يكون سمِعَه من بعض الناس وهو لا يدري ما معناها.
وأنت يا أخي إذا أخبرتَه وبيّنتَ له أن هذا شرك؛ فلعلّ اللهَ أن ينفعَه على يدك. والله الموفق)).
15ـ حكم التسمي ببعض الأسماء:
فأجاب:
(( أما الناصر والخالد وما أشبهها فلا بأس بها؛ لأن المراد بها آل ناصر، آل خالد. لكنّ فيها شيئا من الحذف للتسهيل.
وأما (حُجة الإسلام)؛ فلا يصح وصفُ أحدٍ به؛ لأن كل ما عدا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإن قوله ليس بحجة إلا من أمِرْنا باتباعهم ـ وهم الخلفاء الراشدون ؛ لأن قولَهم حُجة ما لم يخالف نصًّا، ويخالف قولَ صحابيٍّ آخر، فإن خالف النصَّ؛ فالنصُّ مقدَّم على قولِ كل أحد.
وإن خالف قول صحابي آخر؛ طلب الترجيح بين القولين.
المهم أن حجة الإسلام لا تقال إلا لِمَنْ قولُه حُجَّة فقط، وأما من ليس قوله حجة؛ فإنه لا يقال له حجة، وكيف يكون حجة في الإسلام وهو ليس غير معصوم من الخطأ.
أما الرحمانية التي يسمى بها بعضُ الأحياء ؛ فلا بأس بها)).
16ـ إطلاق المسيحية على النصارى:
فأجاب:
لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتساب غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحا لآمنوا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإن إيمانهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إيمان بالمسيح عيسى بنِ مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لأن الله تعالى قال: { وإذْ قال عيسى ابنُ مريم يابني إسرائيلَ إني رسولُ اللهِ إليكم مصدقا لِما بين يديَّ من التوراة ومُبَشِّرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسْمه أحمد فلما جاءهم بالبيناتِ قالوا هذا سحرٌ مبين}[سورة الصف: الآية6].
ولم يبشرْهم المسيحُ عيسى بنُ مريم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا مِن أجل أن يَقبلوا ما جاء به؛ لأن البشارة بما لا ينفع لغوٌ من القول لا يمكن أن تاتي من أدنى الناس عقلًا ـ فضلا من أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولي العزم عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
وهذا الذي بشّر به عيسى بنُ مريم بني إسرائيل هو محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله: {فلما جاءهم بالبيناتِ قالوا هذا سحرٌ مبين}[سورة الصف: الآية6] وهذا يدل على أن الرسول الذي بشر به قد جاء، ولكنهم كفروا به وقالوا: هذا سِحرٌ مبين.
فإذا كفروا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن هذا كفرٌ بعيسى بنِ مريم الذي بشرهم بمحمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحينئذ لا يصح أن يَنْتَسِبوا إليه فيقولوا إنهم مسيحيون، إذ لو كانوا حقيقة؛ لآمنوا بما بشر به المسيحُ بن مريم؛ لأن عيسى وغيرَهُ من الرسل قد أخذ اللهُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن يؤمنوا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال تعالى: {وإذْ أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيين لَمَا آتيتُكُم من كتابٍ وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ لما معكم لَتُؤْمِنُنَّ به ولَتَنْصُرُنَّه قال أأقررْتُم وأخذْتم على ذلكم إِصْري قالوا أقْرَرْنا قال فاشْهدوا وأنا معكم من الشاهدين}[سورة آل عمران: الآية18].
والذي جاء مصدِّقا لما معهم هو محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتابِ بالحقِّ مصدقا لِما بين يديه من الكتابِ ومُهَيْمنا عليه فاحْكُم بينهم بما أنزل اللهُ ولا تتبع أهواءَهم}[سورة المائدة: الآية 48].
وخلاصة القول: أن نسبةَ النصارى إلى المسيح بنِ مريم نسبةٌ يكذبها الواقع؛ لأنهم كفروا ببشارة عيسى بنِ مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكفرهم به كفر بالمسيح)).
*************************************
[نقلا من:فتاوى علماء البلد الحرام:ص 1643 ـ 1666].