طالب الشهادة
07-31-2005, 05:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لمجده، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.أما بعد:
فأسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يجعلني وإياكم ممن يتحرك لله، ويعمل لله، ويطلب العلم لله، ويتكلم ويعمل لله ..جل جلاله..
قال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لوم يتفكرون ) .
أحبتي في الله..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جاء في تفسير القرطبي عليه شآبيب الرحمة في تفسيره لهذه الأية الكريمة والتي إشتملت على ثلاث مسائل :
• الأولى – (1) قوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها) أي يقبضها عند فناء آجالها ( والتي لم تمت في منامها ) يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها ( فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ) وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها. قال إبن زيد : النوم وفاة ، والموت وفاة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " كما تنامون فكذلك تموتون ، وكما توقظون فكذلك تبعثون " وروي مرفوعا من حديث جابر ن عبد الله ، قيل : يا رسول الله ، اينام أهل الجنة ؟ قال : " لا، النوم أخو الموت ، والجنة لاموت فيها " أخرجه الدار قطني .
• الثانية _ (2) وقد إختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح ، هل هما شيء واحد ، أو شيئان ؟ والأظهر أنهما شيء واحد ، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح . من ذلك حديث أم سلمة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره – أي إنفتح – فأعمضه ، ثم قال : " إن الروح إذا قبض تبعه البصر . رواه أحمد ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا : إخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، إخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء " إسناده حسن أخرجه إبن ماجة : وقال بلال في حديث الوادي : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك . وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلا له : " يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء ردها علينا في حين غير هذا " . رواه أحمد في مسنده .
• الثالثة _ (3) خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشة وليسم الله ، فإنه لا يعلم ما خلفه على فراشه ، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن ، وليقل : سبحانك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فإغفر لها، وقال البخاري وإبن ماجة والترمذي : " فإرحمها " بدل " فإغفر لها " وإن أرسلتها فأحفطها بما تحفظ به عبادك الصالحين " زاد الترمذي : إذا إستيقظ فليقل : " الحمد لله الذي عافاني في جسدي ، ورد علي روحي ، وأذن لي بذكره " . وخرج البخاري عن حذيفة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : ( فيمسك التي قضى عليها الموت ) أي قضى الله عليها الموت . وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته ، وإنفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما يشاء ويحيي ويمت ، لايقدر على ذلك سمواه سبحانه . ( إن في ذلك لآيات ) يعني في قبض الله نفس الميت والنائم وإرساله نفس النائم ، وحبسه نفس الميت ( لقوم يتفكرون ) وفي التنزيل : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمرربي ) أي لا يعلم حقيقته إلا الله تبارك وتعالى .
سير الصحابة والتابعين على فراش الموت :
أبو بكر الصديق : لما إحتضر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حين وفاته قال : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، وقال لعائشة : إنظروا ثوبي هذين، فإغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أولى بالجديد من الميت. و لما حضرته الوفاة أوصى عمر رضي الله عنه قائلا :
إني أوصيك بوصية إن أنت قبلت عني : إن لله عز و جل حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة بإتباعهم الحق في الدنيا، وثقلت ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل، وخفته عليهم في الدنيا وحق لميزان أن يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً.
عمر بن الخطاب : ولما طعن عمر جاء عبد الله بن عباس فقال : يا أمير المؤمنين، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خذله الناس، وقتلت شهيدا ولم يختلف عليك إثنان، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض.
فقال له : أعد مقالتك.
فأعاد عليه، فقال : المغرور من غررتموه، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لإفتديت به من هول المطلع.
وقال عبد الله بن عمر : كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه.
فقال : ضع رأسي على الأرض.
فقلت : ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي ؟!
فقال : لا أم لك، ضعه على الأرض.
فقال عبد الله : فوضعته على الأرض.
فقال : ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي عز وجل.
عثمان بن عفان : قال حين طعنه الغادرون والدماء تسيل على لحيته : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعديك وأستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على بليتي. ولما أستشهد فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا، ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها (هذه وصية عثمان) :
بسم الله الرحمن الرحيم
عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث إن شاء الله.
علي بن أبي طالب : بعد أن طعن علي رضي الله عنه قال : ما فعل بضاربي ؟
قالوا : أخذناه.
قال : أطعموه من طعامي وأسقوه من شرابي، فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فإضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها.
ثم أوصى الحسن أن يغسله وقال : لا تغالي في الكفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا.
وأوصى :
إمشوا بي بين المشيتين لا تسرعوا بي ولا تبطئوا، فإن كان خيرا عجلتموني إليه وإن كان شراً ألقيتموني عن أكتافكم.
معاذ بن جبل : الصحابي الجليل معاذ بن جبل حين حضرته الوفاة وجاءت ساعة الإحتضار نادى ربه قائلا : يا رب إنني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنني ما كنت أحب الدنيا لجري الأنهار و لا لغرس الأشجار وإنما لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق العلم، ثم فاضت روحه بعد أن قال : لا إله إلا الله.
روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم الرجل معاذ بن جبل. وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أرحم الناس بأمتي أبو بكر .. إلى أن قال وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ.
بلال بن رباح : حينما أتى بلالا الموت قالت زوجته : وآحزناه، فكشف الغطاء عن وجهه وهو في سكرات الموت وقال : لا تقولي وآحزناه وقولي وآفرحاه ثم قال : غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه.
أبو ذر الغفاري : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكت زوجته فقال : ما يبكيك ؟
قالت : وكيف لا أبكي وأنت تموت بأرض فلاة وليس معنا ثوب يسعك كفنا.
فقال لها : لا تبكي وأبشري فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا منهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا ومات في قرية وجماعة، وأنا الذي أموت بفلاة، والله ما كذبت ولا كذبت فإنظري الطريق.
قالت : أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق.
فقال إنظري فإذا أنا برجال فألحت ثوبي فأسرعوا إلي فقالوا : ما لك يا أمة الله ؟
قالت : إمرؤ من المسلمين تكفونه.
فقالوا : من هو ؟
قالت : أبو ذر.
قالوا : صاحب رسول الله.
ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ودخلوا عليه فبشرهم وذكر لهم الحديث وقال : أنشدكم بالله لا يكفنني أحد كان أمير أو عريفا أو بريدا.
فكل القوم كانوا نالوا من ذلك شيئا غير فتى من الأنصار فكفنه في ثوبين لذلك الفتى وصلى عليه عبد الله بن مسعود فكان في ذلك القوم. رضي الله عنهم أجمعين.
أبو الدرداء : لما جاء أبا الدرداء الموت قال : ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ؟ ثم قبض رحمه الله.
سلمان الفارسي : بكى سلمان الفارسي عند موته، فقيل له : ما يبكيك ؟
فقال : عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذه الأزواد.
وقيل : إنما كان حوله إجانة وجفنة ومطهرة !
الإجانة : إناء يجمع فيه الماء.
الجفنة : القصعة يوضع فيها الماء والطعام.
المطهرة : إناء يتطهر فيه.
عبد الله بن مسعود : لما حضر عبد الله بن مسعود الموت دعا إبنه فقال : يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود إني أوصيك بخمس خصال فإحفظهن عني :
أظهر اليأس للناس، فإن ذلك غنى فاضل، ودع مطلب الحاجات إلى الناس فإن ذلك فقر حاضر، ودع ما تعتذر منه من الأمور ولا تعمل به، وإن إستطعت ألا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالأمس فإفعل، وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع كأنك لا تصلي بعدها.
الحسن بن علي سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة : لما حضر الموت بالحسن بن علي رضي الله عنهما قال : أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج فقال : اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فإني لم أصب بمثلها !
معاوية بن أبي سفيان : قال معاوية رضي الله عنه عند موته لمن حوله : أجلسوني، فأجلسوه، فجلس يذكر الله ثم بكى وقال : الآن يا معاوية، جئت تذكر ربك بعد الإنحطام والإنهدام، أما كان هذا وغض الشباب نضير ريان ؟!
ثم بكى وقال : يا رب يا رب إرحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي، اللهم أقل العثرة وإغفر الزلة، وجد بحلمك على من لم يرج غيرك ولا وثق بأحد سواك. ثم فاضت روحه رضي الله عنه.
عمرو بن العاص : حينما حضر عمرو بن العاص الموت بكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فقال له إبنه : ما يبكيك يا أبتاه ؟ أما بشرك رسول الله. فأقبل عمرو رضي الله عنه إليهم بوجهه وقال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. إني كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلى أن أكون قد إستمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : أبسط يمينك فلأباينك، فبسط يمينه، قال : فقضبت يدي.
فقال : ما لك يا عمرو ؟
قلت : أردت أن أشترط.
فقال : تشترط ماذا ؟
قلت : أن يغفر لي.
فقال : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله..؟
وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحلى في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو قيل لي صفه لما إستطعت أن أصفه لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها..؟
فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي ؟!
أبو موسى الأشعري : لما حضرت أبا موسى رضي الله عنه الوفاة دعا فتيانه وقال لهم : إذهبوا فإحفروا لي وأعمقوا، ففعلوا.
فقال : إجلسوا بي فوالذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين ذراعا، وليفتحن لي باب من أبواب الجنة، فلأنظرن إلى منزلي فيها وإلى أزواجي، وإلى ما أعد الله عز وجل لي فيها من النعيم، ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي، وليصيبني من روحها وريحانها حتى أبعث.
وإن كانت الأخرى ليضيقن علي قبري حتى تختلف منه أضلاعي، حتى يكون أضيق من كذا وكذا، وليفتحن لي باب من أبواب جهنم، فلأنظرن إلى مقعدي وإلى ما أعد الله عز وجل فيها من السلاسل والأغلال والقرناء، ثم لأنا إلى مقعدي من جهنم لأهدى مني اليوم إلى منزلي، ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.
سعد بن الربيع : لما إنتهت غزوة أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يذهب فينظر ماذا فعل سعد بن الربيع ..؟
فدار رجل من الصحابة بين القتلى فأبصره سعد بن الربيع قبل أن تفيض روحه فناداه : ماذا تفعل ؟
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لأنظر ماذا فعلت ؟
فقال سعد : أقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وأخبره أني ميت وأني قد طعنت إثنتي عشرة طعنة وأنفذت في فأنا هالك لا محالة، وأقرأ على قومي مني السلام وقل لهم يا قوم لا عذر لكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف.
عبد الله بن عمر : قال عبد الله بن عمر قبل أن تفيض روحه : ما آسى من الدنيا على شيء إلا على ثلاثة : ظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومراوحة الأقدام بالقيام لله عز وجل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت (ولعله يقصد الحجاج و من معه).
عبادة بن الصامت : لما حضرت عبادة بن الصامت الوفاة قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن، ثم قال : أجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي، فجمعوا له فقال : إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا، وأول ليلة من الآخرة، وإنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو والذي نفس عبادة بيده القصاص يوم القيامة، وأحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا إقتص مني قبل أن تخرج نفسي.
فقالوا : بل كنت والدا وكنت مؤدبا.
فقال : أغفرتم لي ما كان من ذلك ؟
قالوا : نعم.
فقال : اللهم أشهد، أما الآن فإحفظوا وصيتي.
أحرج على كل إنسان منكم أن يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضأوا فأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا فيصلي ثم يستغفر لعبادة ولنفسه، فإن الله عز وجل قال : وإستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، ثم أسرعوا بي إلى حفرتي، ولا تتبعوني بنار.
الإمام الشافعي : دخل المزني على الإمام الشافعي في مرضه الذي توفي فيه فقال له : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟!
فقال الشافعي : أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله واردا، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشأ يقول :
ولما قسا قلبي وضـــــاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعـــاظمني ذنبــــــي فلمــا قـــرنته ... بعفوك ربي كـان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجـــود وتعفــــو مـــنة وتكرما
الحسن البصري : حينما حضرت الحسن البصري المنية حرك يديه وقال : هذه منزلة صبر وإستسلام !
عبد الله بن المبارك : العالم العابد الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك، حينما جاءته الوفاة إشتدت عليه سكرات الموت ثم أفاق ورفع الغطاء عن وجهه وإبتسم قائلا : لمثل هذا فليعمل العاملون، لا إله إلا الله، ثم فاضت روحه.
الفضيل بن عياض : العالم العابد الفضيل بن عياض الشهير بعابد الحرمين لما حضرته الوفاة، غشي عليه، ثم أفاق وقال : وآبعد سفراه، وآقلة زاداه !
محمد بن سيرين : روي أنه لما حضرت محمد بن سيرين الوفاة بكى فقيل له : ما يبكيك ؟
فقال : أبكي لتفريطي في الأيام الخالية وقلة عملي للجنة العالية وما ينجيني من النار الحامية.
عمر بن عبد العزيز : لما حضر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الموت قال لبنيه وكان مسلمة بن عبد الملك حاضرا :
يا بني، إني قد تركت لكم خيرا كثيرا لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقا.
يا بني إني قد خيرت بين أمرين، إما أن تستغنوا وأدخل النار، أو تفتقروا وأدخل الجنة، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي، قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله، قوموا عني فإني أرى خلقاً ما يزدادون إلا كثرة، ما هم بجن ولا إنس.
قال مسلمة : فقمنا وتركناه وتنحينا عنه وسمعنا قائلا يقول : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين، ثم خفت الصوت فقمنا فدخلنا فإذا هو ميت مغمض مسجى !
المأمون : حينما حضر المأمون الموت قال : أنزلوني من على السرير.
فأنزلوه على الأرض، فوضع خده على التراب وقال : يا من لا يزول ملكه إرحم من قد زال ملكه !
عبد الملك من مروان : يروى أن عبد الملك بن مروان لما أحس بالموت قال : إرفعوني على شرف، ففعل ذلك، فتنسم الروح ثم قال : يا دنيا ما أطيبك ! إن طويلك لقصير. والله تعالى أعلم.
ولله در القائل : *****
يارب هل من توبة ****** تمحو الخطايا والذنوب.
وتزيل هم القلب عني ****** والـكـآبـة والـشـحـوب .
أدعوك في ليل بهيم ****** والـدمع مدراراً سكيب .
أنت المؤمل والمعين ****** وأنـت يـارب الـمـجيـب .
من لي إذا وضع التراب ****** فوقي فلا عيش يطيب .
والقبر داج مظلم ****** هل ينفع العبد النحيب .
يا وحشتي يا كربتي ****** يا غربة الأبـد الـقـريـب .
ما من سبيل للخلاص ****** من مشرق أو من جنوب .
واويلتاه من عذاب ****** الـقبـر والهـول العصيب .
يارب هل من توبةِ ****** تـمـحو الخطايا والذنوب.
*****
قد قيل :
يا من بدنياه إشتغل **** وغره طول الأمل .
الموت يأت بغتة **** والقبر صندوق العمل .
****
لذ بالإله ولا تلذ بسواه *** من لاذ بالملك الجليل كفاه.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وآخر .دعونا أن الحمد لله رب العالمين .
أخوكم في الله
الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لمجده، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.أما بعد:
فأسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يجعلني وإياكم ممن يتحرك لله، ويعمل لله، ويطلب العلم لله، ويتكلم ويعمل لله ..جل جلاله..
قال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لوم يتفكرون ) .
أحبتي في الله..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جاء في تفسير القرطبي عليه شآبيب الرحمة في تفسيره لهذه الأية الكريمة والتي إشتملت على ثلاث مسائل :
• الأولى – (1) قوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها) أي يقبضها عند فناء آجالها ( والتي لم تمت في منامها ) يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها ( فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ) وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها. قال إبن زيد : النوم وفاة ، والموت وفاة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " كما تنامون فكذلك تموتون ، وكما توقظون فكذلك تبعثون " وروي مرفوعا من حديث جابر ن عبد الله ، قيل : يا رسول الله ، اينام أهل الجنة ؟ قال : " لا، النوم أخو الموت ، والجنة لاموت فيها " أخرجه الدار قطني .
• الثانية _ (2) وقد إختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح ، هل هما شيء واحد ، أو شيئان ؟ والأظهر أنهما شيء واحد ، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح . من ذلك حديث أم سلمة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره – أي إنفتح – فأعمضه ، ثم قال : " إن الروح إذا قبض تبعه البصر . رواه أحمد ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا : إخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، إخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء " إسناده حسن أخرجه إبن ماجة : وقال بلال في حديث الوادي : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك . وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلا له : " يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء ردها علينا في حين غير هذا " . رواه أحمد في مسنده .
• الثالثة _ (3) خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشة وليسم الله ، فإنه لا يعلم ما خلفه على فراشه ، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن ، وليقل : سبحانك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فإغفر لها، وقال البخاري وإبن ماجة والترمذي : " فإرحمها " بدل " فإغفر لها " وإن أرسلتها فأحفطها بما تحفظ به عبادك الصالحين " زاد الترمذي : إذا إستيقظ فليقل : " الحمد لله الذي عافاني في جسدي ، ورد علي روحي ، وأذن لي بذكره " . وخرج البخاري عن حذيفة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : ( فيمسك التي قضى عليها الموت ) أي قضى الله عليها الموت . وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته ، وإنفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما يشاء ويحيي ويمت ، لايقدر على ذلك سمواه سبحانه . ( إن في ذلك لآيات ) يعني في قبض الله نفس الميت والنائم وإرساله نفس النائم ، وحبسه نفس الميت ( لقوم يتفكرون ) وفي التنزيل : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمرربي ) أي لا يعلم حقيقته إلا الله تبارك وتعالى .
سير الصحابة والتابعين على فراش الموت :
أبو بكر الصديق : لما إحتضر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حين وفاته قال : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، وقال لعائشة : إنظروا ثوبي هذين، فإغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أولى بالجديد من الميت. و لما حضرته الوفاة أوصى عمر رضي الله عنه قائلا :
إني أوصيك بوصية إن أنت قبلت عني : إن لله عز و جل حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة بإتباعهم الحق في الدنيا، وثقلت ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل، وخفته عليهم في الدنيا وحق لميزان أن يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً.
عمر بن الخطاب : ولما طعن عمر جاء عبد الله بن عباس فقال : يا أمير المؤمنين، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خذله الناس، وقتلت شهيدا ولم يختلف عليك إثنان، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض.
فقال له : أعد مقالتك.
فأعاد عليه، فقال : المغرور من غررتموه، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لإفتديت به من هول المطلع.
وقال عبد الله بن عمر : كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه.
فقال : ضع رأسي على الأرض.
فقلت : ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي ؟!
فقال : لا أم لك، ضعه على الأرض.
فقال عبد الله : فوضعته على الأرض.
فقال : ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي عز وجل.
عثمان بن عفان : قال حين طعنه الغادرون والدماء تسيل على لحيته : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعديك وأستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على بليتي. ولما أستشهد فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا، ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها (هذه وصية عثمان) :
بسم الله الرحمن الرحيم
عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث إن شاء الله.
علي بن أبي طالب : بعد أن طعن علي رضي الله عنه قال : ما فعل بضاربي ؟
قالوا : أخذناه.
قال : أطعموه من طعامي وأسقوه من شرابي، فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فإضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها.
ثم أوصى الحسن أن يغسله وقال : لا تغالي في الكفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا.
وأوصى :
إمشوا بي بين المشيتين لا تسرعوا بي ولا تبطئوا، فإن كان خيرا عجلتموني إليه وإن كان شراً ألقيتموني عن أكتافكم.
معاذ بن جبل : الصحابي الجليل معاذ بن جبل حين حضرته الوفاة وجاءت ساعة الإحتضار نادى ربه قائلا : يا رب إنني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنني ما كنت أحب الدنيا لجري الأنهار و لا لغرس الأشجار وإنما لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق العلم، ثم فاضت روحه بعد أن قال : لا إله إلا الله.
روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم الرجل معاذ بن جبل. وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أرحم الناس بأمتي أبو بكر .. إلى أن قال وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ.
بلال بن رباح : حينما أتى بلالا الموت قالت زوجته : وآحزناه، فكشف الغطاء عن وجهه وهو في سكرات الموت وقال : لا تقولي وآحزناه وقولي وآفرحاه ثم قال : غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه.
أبو ذر الغفاري : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكت زوجته فقال : ما يبكيك ؟
قالت : وكيف لا أبكي وأنت تموت بأرض فلاة وليس معنا ثوب يسعك كفنا.
فقال لها : لا تبكي وأبشري فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا منهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا ومات في قرية وجماعة، وأنا الذي أموت بفلاة، والله ما كذبت ولا كذبت فإنظري الطريق.
قالت : أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق.
فقال إنظري فإذا أنا برجال فألحت ثوبي فأسرعوا إلي فقالوا : ما لك يا أمة الله ؟
قالت : إمرؤ من المسلمين تكفونه.
فقالوا : من هو ؟
قالت : أبو ذر.
قالوا : صاحب رسول الله.
ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ودخلوا عليه فبشرهم وذكر لهم الحديث وقال : أنشدكم بالله لا يكفنني أحد كان أمير أو عريفا أو بريدا.
فكل القوم كانوا نالوا من ذلك شيئا غير فتى من الأنصار فكفنه في ثوبين لذلك الفتى وصلى عليه عبد الله بن مسعود فكان في ذلك القوم. رضي الله عنهم أجمعين.
أبو الدرداء : لما جاء أبا الدرداء الموت قال : ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ؟ ثم قبض رحمه الله.
سلمان الفارسي : بكى سلمان الفارسي عند موته، فقيل له : ما يبكيك ؟
فقال : عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذه الأزواد.
وقيل : إنما كان حوله إجانة وجفنة ومطهرة !
الإجانة : إناء يجمع فيه الماء.
الجفنة : القصعة يوضع فيها الماء والطعام.
المطهرة : إناء يتطهر فيه.
عبد الله بن مسعود : لما حضر عبد الله بن مسعود الموت دعا إبنه فقال : يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود إني أوصيك بخمس خصال فإحفظهن عني :
أظهر اليأس للناس، فإن ذلك غنى فاضل، ودع مطلب الحاجات إلى الناس فإن ذلك فقر حاضر، ودع ما تعتذر منه من الأمور ولا تعمل به، وإن إستطعت ألا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالأمس فإفعل، وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع كأنك لا تصلي بعدها.
الحسن بن علي سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة : لما حضر الموت بالحسن بن علي رضي الله عنهما قال : أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج فقال : اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فإني لم أصب بمثلها !
معاوية بن أبي سفيان : قال معاوية رضي الله عنه عند موته لمن حوله : أجلسوني، فأجلسوه، فجلس يذكر الله ثم بكى وقال : الآن يا معاوية، جئت تذكر ربك بعد الإنحطام والإنهدام، أما كان هذا وغض الشباب نضير ريان ؟!
ثم بكى وقال : يا رب يا رب إرحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي، اللهم أقل العثرة وإغفر الزلة، وجد بحلمك على من لم يرج غيرك ولا وثق بأحد سواك. ثم فاضت روحه رضي الله عنه.
عمرو بن العاص : حينما حضر عمرو بن العاص الموت بكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فقال له إبنه : ما يبكيك يا أبتاه ؟ أما بشرك رسول الله. فأقبل عمرو رضي الله عنه إليهم بوجهه وقال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. إني كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلى أن أكون قد إستمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : أبسط يمينك فلأباينك، فبسط يمينه، قال : فقضبت يدي.
فقال : ما لك يا عمرو ؟
قلت : أردت أن أشترط.
فقال : تشترط ماذا ؟
قلت : أن يغفر لي.
فقال : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله..؟
وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحلى في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو قيل لي صفه لما إستطعت أن أصفه لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها..؟
فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي ؟!
أبو موسى الأشعري : لما حضرت أبا موسى رضي الله عنه الوفاة دعا فتيانه وقال لهم : إذهبوا فإحفروا لي وأعمقوا، ففعلوا.
فقال : إجلسوا بي فوالذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين ذراعا، وليفتحن لي باب من أبواب الجنة، فلأنظرن إلى منزلي فيها وإلى أزواجي، وإلى ما أعد الله عز وجل لي فيها من النعيم، ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي، وليصيبني من روحها وريحانها حتى أبعث.
وإن كانت الأخرى ليضيقن علي قبري حتى تختلف منه أضلاعي، حتى يكون أضيق من كذا وكذا، وليفتحن لي باب من أبواب جهنم، فلأنظرن إلى مقعدي وإلى ما أعد الله عز وجل فيها من السلاسل والأغلال والقرناء، ثم لأنا إلى مقعدي من جهنم لأهدى مني اليوم إلى منزلي، ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.
سعد بن الربيع : لما إنتهت غزوة أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يذهب فينظر ماذا فعل سعد بن الربيع ..؟
فدار رجل من الصحابة بين القتلى فأبصره سعد بن الربيع قبل أن تفيض روحه فناداه : ماذا تفعل ؟
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لأنظر ماذا فعلت ؟
فقال سعد : أقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وأخبره أني ميت وأني قد طعنت إثنتي عشرة طعنة وأنفذت في فأنا هالك لا محالة، وأقرأ على قومي مني السلام وقل لهم يا قوم لا عذر لكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف.
عبد الله بن عمر : قال عبد الله بن عمر قبل أن تفيض روحه : ما آسى من الدنيا على شيء إلا على ثلاثة : ظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومراوحة الأقدام بالقيام لله عز وجل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت (ولعله يقصد الحجاج و من معه).
عبادة بن الصامت : لما حضرت عبادة بن الصامت الوفاة قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن، ثم قال : أجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي، فجمعوا له فقال : إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا، وأول ليلة من الآخرة، وإنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو والذي نفس عبادة بيده القصاص يوم القيامة، وأحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا إقتص مني قبل أن تخرج نفسي.
فقالوا : بل كنت والدا وكنت مؤدبا.
فقال : أغفرتم لي ما كان من ذلك ؟
قالوا : نعم.
فقال : اللهم أشهد، أما الآن فإحفظوا وصيتي.
أحرج على كل إنسان منكم أن يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضأوا فأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا فيصلي ثم يستغفر لعبادة ولنفسه، فإن الله عز وجل قال : وإستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، ثم أسرعوا بي إلى حفرتي، ولا تتبعوني بنار.
الإمام الشافعي : دخل المزني على الإمام الشافعي في مرضه الذي توفي فيه فقال له : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟!
فقال الشافعي : أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله واردا، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشأ يقول :
ولما قسا قلبي وضـــــاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعـــاظمني ذنبــــــي فلمــا قـــرنته ... بعفوك ربي كـان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجـــود وتعفــــو مـــنة وتكرما
الحسن البصري : حينما حضرت الحسن البصري المنية حرك يديه وقال : هذه منزلة صبر وإستسلام !
عبد الله بن المبارك : العالم العابد الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك، حينما جاءته الوفاة إشتدت عليه سكرات الموت ثم أفاق ورفع الغطاء عن وجهه وإبتسم قائلا : لمثل هذا فليعمل العاملون، لا إله إلا الله، ثم فاضت روحه.
الفضيل بن عياض : العالم العابد الفضيل بن عياض الشهير بعابد الحرمين لما حضرته الوفاة، غشي عليه، ثم أفاق وقال : وآبعد سفراه، وآقلة زاداه !
محمد بن سيرين : روي أنه لما حضرت محمد بن سيرين الوفاة بكى فقيل له : ما يبكيك ؟
فقال : أبكي لتفريطي في الأيام الخالية وقلة عملي للجنة العالية وما ينجيني من النار الحامية.
عمر بن عبد العزيز : لما حضر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الموت قال لبنيه وكان مسلمة بن عبد الملك حاضرا :
يا بني، إني قد تركت لكم خيرا كثيرا لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقا.
يا بني إني قد خيرت بين أمرين، إما أن تستغنوا وأدخل النار، أو تفتقروا وأدخل الجنة، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي، قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله، قوموا عني فإني أرى خلقاً ما يزدادون إلا كثرة، ما هم بجن ولا إنس.
قال مسلمة : فقمنا وتركناه وتنحينا عنه وسمعنا قائلا يقول : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين، ثم خفت الصوت فقمنا فدخلنا فإذا هو ميت مغمض مسجى !
المأمون : حينما حضر المأمون الموت قال : أنزلوني من على السرير.
فأنزلوه على الأرض، فوضع خده على التراب وقال : يا من لا يزول ملكه إرحم من قد زال ملكه !
عبد الملك من مروان : يروى أن عبد الملك بن مروان لما أحس بالموت قال : إرفعوني على شرف، ففعل ذلك، فتنسم الروح ثم قال : يا دنيا ما أطيبك ! إن طويلك لقصير. والله تعالى أعلم.
ولله در القائل : *****
يارب هل من توبة ****** تمحو الخطايا والذنوب.
وتزيل هم القلب عني ****** والـكـآبـة والـشـحـوب .
أدعوك في ليل بهيم ****** والـدمع مدراراً سكيب .
أنت المؤمل والمعين ****** وأنـت يـارب الـمـجيـب .
من لي إذا وضع التراب ****** فوقي فلا عيش يطيب .
والقبر داج مظلم ****** هل ينفع العبد النحيب .
يا وحشتي يا كربتي ****** يا غربة الأبـد الـقـريـب .
ما من سبيل للخلاص ****** من مشرق أو من جنوب .
واويلتاه من عذاب ****** الـقبـر والهـول العصيب .
يارب هل من توبةِ ****** تـمـحو الخطايا والذنوب.
*****
قد قيل :
يا من بدنياه إشتغل **** وغره طول الأمل .
الموت يأت بغتة **** والقبر صندوق العمل .
****
لذ بالإله ولا تلذ بسواه *** من لاذ بالملك الجليل كفاه.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وآخر .دعونا أن الحمد لله رب العالمين .
أخوكم في الله