طالب الشهادة
08-23-2005, 06:52 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد....
مما لا شك فيه أن هذه الأمة أمة منتصرة بنصر الله سبحانه لها، وهي ظاهرة على غيرها من الأمم، ولن تفقد هذه الأمة خيريتها أو تنهزم انهزاماً مطلقاً مهما أصابها الوهن وظن الكافر الحاقد أنها قد تودع منها، أو لم يعد يرجى برؤها، وهذه حقيقة دلت عليها النصوص الشرعية من وجهين:
الأول: وعد الله سبحانه لها بالنصر، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
والحديث المتواتر الذي جاء عن واحد وعشرين صحابيا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خافهم، إلا ما يصيبهم من اللأواء، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس).
الثاني: حفظ الله سبحانه لهذه الأمة وعدم تسلط الكافرين عليها، قال تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، وقال سبحانه: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ).
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) [رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير وصححه الذهبي والألباني].
وهذه النصوص تدل على بقاء الأمة وعدم هلاكها،ونجاتها في الدنيا والآخرة، إلا أن هذا البقاء وإن تحقق لها، فلا يعني أنها ستكون منتصرة تحت أي ظرف إذ لا بد من التفريق بين بقائها وعدم هلاكها، وبين انتصارها وثباتها على النصر، إذ أتاها وعد الله بالنصر مقيداً بقيامها على طاعة ربها ونصر دينه قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، وقال سبحانه: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، وبهذا يُعلم بأن نصر الله لهذه الأمة منوط بأمرين:
1) نصر الأمة لدينها.
2) تحققها على التقوى والصبر.
فإن فقدت الأمة هذين الأمرين فستكون النتيجة انهزامها وتسلط الأعداء عليها وقد أحببت في هذه العجالة أن ألقى الضوء على أبرز الأمور التي إن وقعت فيها الأمة أذاقها الله سبحانه لباس الهزيمة والخزي، ومنها ما هو عام، ومنها ما هو متفرع عن العام تم درجه تحت نقطة منفصلة للتنبيه على خطورته، وقد راعيت بذلك الترتيب وقد جاء وفق الاجتهاد لا النص، والله سبحانه ولي التوفيق.
أولاً: الإعراض عن ذكر الله تعالى:
قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً)، فالإعراض عن ذكر الله سبحانه من أعظم الذنوب التي يستحق عليها الناس عقاب الله سبحانه، وقد بين الله سبحانه أن المعرضين عن الذكر من أظلم الناس، وقد قرنهم الله سبحانه بالمكذبين بدينه الكاذبين عليه، وبالصادين عن سبيله قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، ثم بين سبحانه أنه منتقم من المجرمين، وهم المعرضون عن الذكر، ولا ريب بأن المعرض عن الذكر لا ينتظر النصر من الله، بل عليه أن ينتظر انتقام الله سبحانه منه.
ثانياً: مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) [سبق تخريجه]، فمخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من اعظم ما يستحق عليه المسلمون العقاب من الله سبحانه، وقد أوضحت الآية الكريمة أنه يترتب على كل من يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصيبه فتنة، أي في دينه كالبدعة أو الشرك وغير ذلك، أو يصيبه عذاب أليم، كالقتل أو الحبس وما إلى ذلك، كما أوضح الحديث الشريف أن الذي يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يُجعل عليه الذل والصغار، فأي عقاب أعظم من ذلك ؟!
ثالثاُ: مخالفة سبيل المؤمنين:
قال تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)، وهذه الآية الكريمة تربط ما بين مشاققة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإتباع غير سبيل المؤمنين،فكل من أتبع غير سبيل المؤمنين، يكون قد شاق الرسول صلى الله عليه وسلم لذا استحق الوعيد من الله سبحانه، والمقصود بسبيل المؤمنين سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن تبعهم بإحسان، وهم أهل السنة والجماعة، قال سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصور كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، من الفرقة الناجية؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي. وفي رواية: قال: هي الجماعة) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو حديث صحيح].
رابعاً: ترك الجهاد في سبيل الله:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وفي الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) [صححه الألباني].
فترك الجهاد في سبيل الله سبحانه إثم عظيم، وخطر كبير يترتب على المتخلفين عنه العذاب الأليم والهلاك، فالعذاب الأليم واضح من قوله تعالى: (يعذبكم عذاباً أليما) والهلاك متضمن من قوله تعالى: (ويستبدل قوماً غيركم). وأما الحديث فهو صريح بوقوع الذل على المتخاذلين، وأن رفع الذل عنهم منوط برجوعهم إلى دينهم وفي مقدمة أعمال الدين، الجهاد في سبيل الله، وقد بينت النصوص أيضاً أن نصر المؤمنين، وهزيمة الكافرين يكون من خلال الجهاد في سبيل الله سبحانه قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ)، وعليه فإن ترك الجهاد في سبيل الله من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى فشل المسلمين وضرب الذل عليهم.
خامساً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ).
وفي الحديث عن حذيفة رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) [رواه التِّرمذيُّ وقال حديث حسن].
وعن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) [البخاري].
فالآية الكريمة تدل على أن بني إسرائيل لعنوا، أي خرجوا من رحمة الله سبحانه لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يقع على بني إسرائيل، يقع على غيرهم إذا أتوا بمثل ما أتى به بنو إسرائيل، فالعبرة بمعصية الله وليست متعلقة بقوم معينيّن، وأما الحديث فهو صريح الدلالة بأن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستحق العقاب من الله سبحانه، وعليه فإن تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاقبها الله سبحانه، ومن أنواع العقاب أنه يسلط أعداءها عليها. ويذلهم بسبب ذنوبهم.
.................................................. .......................
خندقي قبري وقبري خندقي/وزنادي صامت لم يشتكي
فمتى ينفث رشاشي متى /لهباً يصبغ وجه الشفقِ
ومتى أخلع قيداً هدني /وثياب نسجت من خالقِ
أشرق النور على كل الدنا /فمتى يغمر أرض المشرقِ
سألتني في حمانا ظبية /أتحب الشوق في عين صبيةْ
قلت لا أعشق حسنا ظاهرا /أو أرى الحب عيون نرجسيةْ
إنما أعشق صدرا عامرا /يحمل الموت ويزهو بالمنيةْ
أدركت سري وقالت ظبيتي/أنت لا تعشق غير البندقيةْ
مما لا شك فيه أن هذه الأمة أمة منتصرة بنصر الله سبحانه لها، وهي ظاهرة على غيرها من الأمم، ولن تفقد هذه الأمة خيريتها أو تنهزم انهزاماً مطلقاً مهما أصابها الوهن وظن الكافر الحاقد أنها قد تودع منها، أو لم يعد يرجى برؤها، وهذه حقيقة دلت عليها النصوص الشرعية من وجهين:
الأول: وعد الله سبحانه لها بالنصر، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
والحديث المتواتر الذي جاء عن واحد وعشرين صحابيا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خافهم، إلا ما يصيبهم من اللأواء، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس).
الثاني: حفظ الله سبحانه لهذه الأمة وعدم تسلط الكافرين عليها، قال تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، وقال سبحانه: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ).
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) [رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير وصححه الذهبي والألباني].
وهذه النصوص تدل على بقاء الأمة وعدم هلاكها،ونجاتها في الدنيا والآخرة، إلا أن هذا البقاء وإن تحقق لها، فلا يعني أنها ستكون منتصرة تحت أي ظرف إذ لا بد من التفريق بين بقائها وعدم هلاكها، وبين انتصارها وثباتها على النصر، إذ أتاها وعد الله بالنصر مقيداً بقيامها على طاعة ربها ونصر دينه قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، وقال سبحانه: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، وبهذا يُعلم بأن نصر الله لهذه الأمة منوط بأمرين:
1) نصر الأمة لدينها.
2) تحققها على التقوى والصبر.
فإن فقدت الأمة هذين الأمرين فستكون النتيجة انهزامها وتسلط الأعداء عليها وقد أحببت في هذه العجالة أن ألقى الضوء على أبرز الأمور التي إن وقعت فيها الأمة أذاقها الله سبحانه لباس الهزيمة والخزي، ومنها ما هو عام، ومنها ما هو متفرع عن العام تم درجه تحت نقطة منفصلة للتنبيه على خطورته، وقد راعيت بذلك الترتيب وقد جاء وفق الاجتهاد لا النص، والله سبحانه ولي التوفيق.
أولاً: الإعراض عن ذكر الله تعالى:
قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً)، فالإعراض عن ذكر الله سبحانه من أعظم الذنوب التي يستحق عليها الناس عقاب الله سبحانه، وقد بين الله سبحانه أن المعرضين عن الذكر من أظلم الناس، وقد قرنهم الله سبحانه بالمكذبين بدينه الكاذبين عليه، وبالصادين عن سبيله قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، ثم بين سبحانه أنه منتقم من المجرمين، وهم المعرضون عن الذكر، ولا ريب بأن المعرض عن الذكر لا ينتظر النصر من الله، بل عليه أن ينتظر انتقام الله سبحانه منه.
ثانياً: مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) [سبق تخريجه]، فمخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من اعظم ما يستحق عليه المسلمون العقاب من الله سبحانه، وقد أوضحت الآية الكريمة أنه يترتب على كل من يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصيبه فتنة، أي في دينه كالبدعة أو الشرك وغير ذلك، أو يصيبه عذاب أليم، كالقتل أو الحبس وما إلى ذلك، كما أوضح الحديث الشريف أن الذي يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يُجعل عليه الذل والصغار، فأي عقاب أعظم من ذلك ؟!
ثالثاُ: مخالفة سبيل المؤمنين:
قال تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)، وهذه الآية الكريمة تربط ما بين مشاققة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإتباع غير سبيل المؤمنين،فكل من أتبع غير سبيل المؤمنين، يكون قد شاق الرسول صلى الله عليه وسلم لذا استحق الوعيد من الله سبحانه، والمقصود بسبيل المؤمنين سبيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن تبعهم بإحسان، وهم أهل السنة والجماعة، قال سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصور كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، من الفرقة الناجية؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي. وفي رواية: قال: هي الجماعة) [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو حديث صحيح].
رابعاً: ترك الجهاد في سبيل الله:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وفي الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) [صححه الألباني].
فترك الجهاد في سبيل الله سبحانه إثم عظيم، وخطر كبير يترتب على المتخلفين عنه العذاب الأليم والهلاك، فالعذاب الأليم واضح من قوله تعالى: (يعذبكم عذاباً أليما) والهلاك متضمن من قوله تعالى: (ويستبدل قوماً غيركم). وأما الحديث فهو صريح بوقوع الذل على المتخاذلين، وأن رفع الذل عنهم منوط برجوعهم إلى دينهم وفي مقدمة أعمال الدين، الجهاد في سبيل الله، وقد بينت النصوص أيضاً أن نصر المؤمنين، وهزيمة الكافرين يكون من خلال الجهاد في سبيل الله سبحانه قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ)، وعليه فإن ترك الجهاد في سبيل الله من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى فشل المسلمين وضرب الذل عليهم.
خامساً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ).
وفي الحديث عن حذيفة رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) [رواه التِّرمذيُّ وقال حديث حسن].
وعن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) [البخاري].
فالآية الكريمة تدل على أن بني إسرائيل لعنوا، أي خرجوا من رحمة الله سبحانه لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يقع على بني إسرائيل، يقع على غيرهم إذا أتوا بمثل ما أتى به بنو إسرائيل، فالعبرة بمعصية الله وليست متعلقة بقوم معينيّن، وأما الحديث فهو صريح الدلالة بأن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستحق العقاب من الله سبحانه، وعليه فإن تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاقبها الله سبحانه، ومن أنواع العقاب أنه يسلط أعداءها عليها. ويذلهم بسبب ذنوبهم.
.................................................. .......................
خندقي قبري وقبري خندقي/وزنادي صامت لم يشتكي
فمتى ينفث رشاشي متى /لهباً يصبغ وجه الشفقِ
ومتى أخلع قيداً هدني /وثياب نسجت من خالقِ
أشرق النور على كل الدنا /فمتى يغمر أرض المشرقِ
سألتني في حمانا ظبية /أتحب الشوق في عين صبيةْ
قلت لا أعشق حسنا ظاهرا /أو أرى الحب عيون نرجسيةْ
إنما أعشق صدرا عامرا /يحمل الموت ويزهو بالمنيةْ
أدركت سري وقالت ظبيتي/أنت لا تعشق غير البندقيةْ