المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصلاة أو الدمار؟؟!!


طالب الشهادة
08-30-2005, 12:08 PM
:bismthult

:salam_tex

أما بعد أحبتي في الله:


لقد حدد رسول الله :salla: الغاية الأولى من بعثته ، والمنهاج المبين فى دعوته بقوله : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه مالك .
والعبادات التى شرعت فى الإسلام واعتبرت أركانا فى الإيمان به ليست طقوسا مبهمة من النوع الذى يربط الإنسان بالغيوب المجهولة ، ويكلفه بأعمال غامضة وحركات لا معنى لها ، كلا فالفرائض التى ألزم بها الإسلام كل منتسب إليه ، هى تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة ، وأن يظل متخلقا بهذه الأخلاق ، مهما تغيرت أمامه الظروف .
فالصلاة الواجبة التى أمر الله بها أبان الحكمة من أقامتها فقال :
"وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغى" العنكبوت / 45
فالإبعاد عن الرذائل ، والتطهير من سوء القول وسوء العمل ، هو حقيقة الصلاة ، وقد جاء فى حديث يرويه النبى – ص – عن ربه قال : "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتى ، ولم يستطل بها على خلقى ، ولم يبت مصرا على معصيتى ، وقطع النهار فى ذكرى ، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب" رواه البزار .
والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب ، بل هى – أولا – غرس لمشاعر الحنان والرأفة ، وتوطيد العلاقات المتعارف والألفة بين شتى الطبقات .
ولقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله :
"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" التوبة / 103
وكذلك شرع الإسلام الصوم ، فلم ينظر إلى أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة بل اعتبره خطوة إلى حرمان النفس دائما من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكررة .
وإقرارا لهذا المعنى قال الرسول – ص – "من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه" البخارى .



والسفر إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج لم يخل من غاية أخلاقية إذ يقول الله تعالى :
"الحج أشهر معلومات ، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج ، وما تفعلوا من خير يعلمه الله ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، وأتقون يا أولى الألباب" البقرة / 197
والمتدين الذى يباشر بعض العبادات ، ويبقى بعدها بادى الشر كابح الوجه قريب العدوان ، كيف يحسب امرأ تقيا ، وقد روى أن النبى ضرب لهذه الحالات مثلا قريبا فقال :
"الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد ،
والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الماء الخل" رواه البيهقى .
فإذا تمت الرذائل فى النفس ، وفشا ضررها ، وتغاقم خطرها ، أنسلخ المرء من دينه كما ينسلخ العريان من ثيابه ، وأصبح ادعاؤه للإيمان زورا ، فما قيمة دين بلا خلق ؟ وما معنى الإفساد مع الانتساب إلى الله ؟
والحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان ، فهو يكشف عن قيمة أيمانه ومقدار أدبه ، وعندما ترى المرء يتحرج من فعل ما لا ينبغى ، أو ترى حمرة الخجل تصبغ وجهه إذا بدر منه ما لا يليق ، فأعلم أنه حى الضمير ، نقى المعدن ، زكى العنصر ، وإذا رأيت الشخص صفيقا بليد الشعور ، لا يبالى ما يأخذ ويترك ، فهو امرؤ لا خير فيه ، وليس له من الحياء وازع يعصمه عن اقتراف الآثام وارتكاب الدنايا .
وقد وصى الإسلام أبناءه بالحياء ، وجعل هذا الخلق السامى ابرز ما يتميز به الإسلام من فضائل ، فقال رسول الله – ص - : "إن لكل دين خلقا ، وخلق الإسلام الحياء" رواه مالك .
وعن أبى سعيد الخدرى قال : كان رسول الله – ص – أشد حياء من العذراء فى خدرها وكان إذا رأى شيئا يكرهه عرفناه فى وجهه" رواه مسلم .
وروى الحاكم عن رسول الله – ص – أنه قال : "الحياء والإسلام قرناء جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" .
وعلة ذلك أن المرء حينما يفقد حياءه يتدرج من سيئ إلى أسوأ ، ويهبط من رذيلة إلى أرذل ، ولا يزال يهوى حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل لذلك روى عنه – ص – أنه قال :
"إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة ، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا ، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا ، نزعت منه الرحمة ، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا ، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام" رواه أبن ماجه .
وللحياء مواضع يستحب فيها ، فالحياء فى الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش ، وأن ينزه لسانه عن العيب ، وأن يخجل من ذكر العورات ، فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها .
ومن الحياء أن يخجل الإنسان من أن يؤثر عنه سوء ، وأن يحرص على بقاء سمعته نقية من الشوائب بعيدة عن الإشاعات السيئة .
إن الحياء ملاك الخير ، وهو عنصر النبل فى كل عمل يشوبه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما كان الفحش فى شئ إلا شانه ، وما كان الحياء فى شئ إلا زانه" رواه الترمذى .
ومن حياء الإنسان مع الناس أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم ، وأن يؤتى كل ذى فضل فضله وليس الحياء جنبا ، فإن الرجل الخجول قد يفضل أن يراق دمه على أن يريق ماء وجهه ، وتلك هى الشجاعة فى أعلى صورها .
والحياء فى أسمى منازله وأكرمها يكون من الله عز وجل ، فنحن نطعم من خيره ونتنفس فى جوه وندرج على أرضه ، ونستظل بسمائه ، فكيف لا يسمى الناس من الإساءة إلى ربهم إن حق الله على عباده عظيم ، ولو قدروه حق قدره ، لسارعوا إلى الخيرات يفعلونها من تلقاء أنفسهم ، ولباعدوا عن السيئات مخبرا من مقابلة الخير المحض بالجمود والخسة .
وعن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله – ص – يقول : استحيوا من الله حق الحياء ، قلنا إنا نستحيى من الله يا رسول الله – والحمد لله – قال : ليس ذلك الاستحياء ، حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ، وأثر الآخرة على الأولى ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" رواه الترمذى .

معنى الحياء

تعنى مصنفات التراث الإسلامى فى كل من علم الأدب وعلم الأخلاق عناية بالغة بفضيلة الحياء فتفرد له الفصول الطوال ، وتمتدح فضائله شعرا ونثرا ، باعتبار أنه رأس الفضائل ، وإن اتعدامه يفتح باب الرذائل ، مما لخص الحديث النبوى الموجز البليغ : "إذا لم تستح فافعل ما شئت" .
فى لسان العرب : والحياء : التوبة والحشمة ، وقد حيى منه حياء واستحيا واستحى ، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء اليائين ، والأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف ، يقولون : استحيا منك واستحاك ، واستحى منك واستحاك .
قال ابن برى : شاهد الحياء بمعنى الاستحياء قول جرير :
لولا الحياء لعادنى استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار

وقول النبى : "الحياء شعبة من الإيمان" ، قال بعضهم : كيف جعل الحياء وهو غريزة ، شعبة من الإيمان وهو اكتساب ؟ والجواب فى ذلك : أن المستحيى ينقطع بالحياء عن المعاصى ، وإن لم تكن له تقية ، فصار كالأيمان الذى يقطع عنها ويحول بين المؤمن وبينها .
قال ابن الأثير : وأنما جعل الحياء بعض الإيمان لأن الإيمان ينقسم إلى أئتمار بما أمر الله به وانتهاء عما نهى الله عنه ، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الأيمان ، ومنه الحديث "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ، المراد إنه إن لم تستح صنع ما شاء ، لأنه لا يكون من له حياء يحجزه عن المعاصى والفواحش .
وقال ابن سيده : أى من لم يستح ما شاء على جهة الذم لترك الحياء ، وليس يأمره بذلك ، ولكنه أمر بمعنى الخبر .
وقال بعض الحكماء : الحياء هرب النفس من الملامة .


ولنا وقفه أخرى بأذن الله .. والحمد الله رب العالمين.